ابن أبي العز الحنفي

497

شرح العقيدة الطحاوية

رسوله ، وهي أمره ونهيه وخبره ، وحظ العبد منها العلم بها ، والعمل « 751 » ، والأمر بما أمر اللّه به ، كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم بالكونيات والتأثير فيها ، أي بموجبها . فالأولى تدبيرية كونية ، والثانية شرعية دينية . فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية ، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية . وقدرة الأولى التأثير في الكونيات ، إما في نفسه كمشيه على الماء ، وطيرانه في الهواء ، وجلوسه في النار ، وإما في غيره ، بإصحاح وإهلاك ، وإغناء وإفقار . وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات ، إما في نفسه بطاعة اللّه ورسوله والتمسك بكتاب اللّه وسنة رسوله باطنا وظاهرا ، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة اللّه ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية . فإذا تقرر ذلك ، فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضرّ المسلم في دينه ، فمن لم ينكشف له شيء من المغيّبات ، ولم يسخر له شيئا من الكونيات - : لا ينقص ذلك في مرتبته عند اللّه ، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له ، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة ، فإن الخارق قد يكون مع الدين ، وقد يكون مع عدمه ، أو فساده ، أو نقصه . فالخوارق النافعة تابعة للدين ، خادمة له ، كما أن الرئاسة النافعة هي التابعة للدين ، وكذلك المال النافع ، كما كان السلطان والمال [ النافع ] بيد النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر وعمر . فمن جعلها هي المقصودة ، وجعل الدين تابعا لها ، ووسيلة إليها ، لا لأجل الدين في الأصل - : فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين ، وليست حاله كحال من تديّن خوف العذاب ، أو رجاء الجنة ، فإن ذلك ما هو مأمور به ، وهو على سبيل نجاة ، وشريعة صحيحة . والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة - يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا ! ! ثم إن الدين إذا صح علما وعملا فلا بد أن يوجب خرق العادة ، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه . قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الطلاق : 2 - 3 . وقال تعالى : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً الأنفال : 29 . وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ

--> ( 751 ) قال عفيفي : انظر ص 319 ج 11 من « مجموع الفتاوى » لابن تيمية .